العيني

142

عمدة القاري

* وذلك من نبأ جاءني * وخبرته عن أبي الأسود * قوله : ( ساعة من نهار ) أراد به مقداراً من الزمان من يوم الفتح وهو زمان الدخول فيها ، ولا يعلم من الحديث إباحة عضد الشجر لرسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الساعة . قوله : ( حرمتها ) أي الحكم الذي في مقابلة الإباحة المستفادة من لفظ الإذن ، ولفظ اليوم يطلق ويراد به يومك الذي أنت فيه . أي : من يوم وقت طلوع الشمس إلى غروبها ، ويطلق ويراد به الزمان الحاضر المعهود ، وقد يكون أكثر من يوم واحد وأقل ، وكذا حكم الأمس . فإن قلت : ما المراد به ههنا ؟ قلت : الظاهر أنه الحاضر ويحتمل أيضاً المعنى الآخر أي ما بين الطلوع إلى الغروب . وتكون حينئذٍ اللام للعهد من يوم الفتح ، إذ عود حرمتها كان في يوم الفتح لا في غيره الذي هو يوم صدور هذا القول ، وكذا اللام في الأمس يكون معهوداً من أمس يوم الفتح . قوله : ( ما قال عمرو ) أي في جوابك ، فقال أبو شريح : قال ، أي عمرو : أنا اعلم منك : قال ابن بطال : ما قاله ليس بجواب لأنه لم يختلف معه في أن من أصاب حداً في غير الحرم ثم لجأ إلى الحرم هل يقام عليه ؟ وإن ما أنكره عليه أبو شريح بعثه الخيل إلى مكة واستباحته حرمتها بنصب الحرب عليها ، فحاد عمرو عن الجواب ، واحتج أبو شريح بعموم الحديث ، وذهب إلى أن مثله لا يجوز أن يستباح نفسه ولا ينصب الحرب عليها بقتال بعدما حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال الطيبي : لما سمع عمرو ذلك رده بقوله : أنا أعلم ، ويعني : إن صح سماعك وحفظك لكن ما فهمت المعنى المراد من المقاتلة ، فإن ذلك الترخص كان بسبب الفتح عنوة وليس بسبب قتل من استحقه خارج الحرم ، والذي أنا بصدده من القبيل الثاني لا من الأول ، فكيف تنكر علي ؟ فهو من القول بالموجب ، يعني : الجواب مطابق وليس مجاوبة من غير سؤاله . قلت : كونه جواباً على اعتقاد عمرو في ابن الزبير ، والله أعلم ، وقد شنع عليه ابن حزم في ذلك في ( المحلى ) في كتاب الجنايات ، فقال : لا كرامة للئيم الشيطان الشرطي الفاسق ، يريد أن يكون أعلم من صاحب رسول الله ، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، وهذا الفاسق هو العاصي لله ولرسوله ومن والاه أو قلده ، وما حامل الخزي في الدنيا والآخرة إلاَّ هو ومن أمره وصوب قوله ، وكأن ابن حزم إنما ذكر ذلك لأن عمراً ذكر ذلك عن اعتقاده في ابن الزبير ، رضي الله عنهما . وقال ابن بطال اختلف العلماء في الصحابي إذا روى الحديث هل يكون أولى بتأويله ممن يأتي بعده أم لا ؟ فقالت طائفة تأويل الصحابي أولى لأنه الراوي للحديث ، وهو أعلم بمخرجه وسببه . وقال آخرون : لا يلزم تأويله إذا لم يصب التأويل . وقال المازري في ( شرح كتاب البرهان ) : مخالفة الراوي لما رواه على أقسام : مخالفة بالكلية ، ومخالفة ظاهرة على وجه التخصيص ، وتأويل محتمل أو مجمل . وكل هذه الأقسام فيها الخلاف . قال إمام الحرمين : مذهب الشافعي اتباع روايته لا عمله ، ومذهب أبي حنيفة اتباع عمله لا روايته ، فإذا كان الحديث عاماً فهل يخص بعمل راويه ، وكذا إذا كان لفظ الحديث مجملاً فصرفه الراوي إلى أحد محتملاته ، هل يصار إلى مذهبه ؟ ففي ذلك خلاف . وقال الخطيب : ظاهر مذهب الشافعي أنه إن كان تأويل الراوي يخالف ظاهر الحديث رجع إلى الحديث ، وإن كان أحد محتملاته الظاهرة رجع إليه ، ومثله إمام الحرمين بقوله صلى الله عليه وسلم : ( الذهب بالذهب ربا إلاَّ ها وها ) ، حمله ابن عمر ، رضي الله عنهما ، على التقابض في المجلس ، وحديث ابن عمر : ( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ) حمله ابن عمر على فرقة الأبدان ، وذكر الحنفية حديث أبي هريرة ، رضي الله عنه ، في ولوغ الكلب سبعاً ، وأن مذهب أبي هريرة جواز الاقتصار على الثلاث . وأن السبع مندوبة . وقال المازري ، وغيره : ينبغي أن يعد حديث أبي هريرة من باب المخالفة التي هي بمعنى النسخ لا بمعنى التخصيص ، فإن الاقتصار على الثلاث مخالفة للعدد المحدود وهو السبع . قلت : إنما خالف أبو هريرة العدد السبع لثبوت انتساخه عنده ، والحمل عليه تحسين الظن في حق الصحابي . وقال المازري : وينبغي أن يكون مثله حديث عائشة ، رضي الله عنها ، وقول أبي القعيس لها : أتحتجبين مني وأنا عمك ؟ قالت : كيف ذلك ؟ فقال : أرضعتك امرأة أخي بلبن أخي . قالت : فسألت عن ذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : ( فقال : صدق أفلح إيذني له ) فروته وأفتته بخلافه ، فكان يدخل عليها من أرضعه أخواتها وبنات أختها ، ولا يدخل عليها من أرضعه نساء إخوتها . ولم يحرم بلبن الفحل هي وابن عمر وابن الزبير والنخعي وابن المسيب والقاسم وأبو سلمة وأهل الظاهر ، واحتجوا بأن عائشة روته ولم تعمل به ولم يأخذ به الكوفيون ولا الشافعي ولا التفتوا إلى تأويلها ، وأخذوا بحديثها وافتوا بتحريم لبن